الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

128

مختصر الامثل

الأوّل : من الممكن أن يثير ما ورد في الآية الماضية من قوله تعالى : « إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ » . سؤالًا في أذهان البعض من أنّ المقصودين في هذه الآية ليس المذنبين فقط ، فهل يمكن أن يكون هؤلاء أيضاً معرضين للعقوبات المترتبة على أعمال الطالحين ، ويُحكمون بالفناء على حد سواء ؟ هنا يجيب : « وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى » . « وزر » : بمعنى الثقل ، وقد اخذ من « وَزر » ( على زنة كرب ) بمعنى الملجأ في الجبل ، وأحياناً يأتي بمعنى المسؤولية . وهذه الجملة ترتبط من جانب بالعدل الإلهي ، بحيث يرتهن كل بعمله ، ومن جانب آخر فإنّ فيها إشارة إلى شدّة العقوبة يوم القيامة . هذه المسألة تطرح في الجملة الثانية من الآية بشكل آخر ، يقول تعالى : « وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَايُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى » « 1 » . وفي الجملة الثالثة من الآية ، ترفع الستارة عن حقيقة أنّ إنذارات الرسول صلى الله عليه وآله لها أثرها في القلوب المهيّأة لذلك فقط ، تقول الآية الكريمة : « إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ » . فإن لم يكن خوف اللَّه متمكّناً من القلب ، ولم يكن هناك إحساس بمراقبة قوة غيبية في السرّ أو العلن ، ولم تنفع الصلاة التي تؤدّي إلى إحياء القلب والتذكير باللَّه في تقوية ذلك الإحساس . . . فلن يكون لإنذارات الأنبياء أثر يذكر . وفي الجملة الرابعة يعود مرّة أخرى إلى حقيقة ( إنّ اللَّه غير محتاج لأحد ) فتضيف : « وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ » . وفي الختام ينبّه في الجملة الخامسة إلى أنّ المحسنين والمسيئين إن لم ينالوا جزاء أعمالهم في الدنيا فليس لذلك أهمية ما دام المصير إلى اللَّه : « وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » . وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ( 23 )

--> ( 1 ) « مثقلة » : بمعنى « الحامل لحمل ثقيل » ويقصد بها هنا حامل الوزر على عاتقه .